دار المعـرفة للطباعة والنشر   ترحب بكم     ***   ** جديد **  بعون الله تعالى صدرت (موسوعة الكلمة وأخواتها في القرآن الكريم )12/1 للشيخ الدكتور أحمد الكبيسي     ***   بعون الله تعالى صدرت (مــوســوعـة المعجم المفــهـرس لألفاظ الحديث النبوي الشريف) ضمن 21 مجلد  - لأول مرة في العالم الإسلامي بمنهج علمي موحد     ***   50 عاماً في نشر المعـرفة * * * 50  عاماً في نشر المعـرفة     ***   صدر- جديد- جديد - كتاب للدكتور دلاور صابر { بالإيمان والغذاء نؤخر شيخوخة العقل والجسد}  مزين بالصور     ***   شعارنا:    اتقان في الاختيار       جودة في الاصدار     ***   ا لقـراءة متـعة و غــذاء للـروح     ***   اطلعوا على اصداراتنا من كتب الأطفال { المعرفة للصغار }  سلاسل هادفة وتعليمية     ***   دار المعــرفة للطباعة والنشـر    :    اتـقـان في الاخـتـيـار       جــودة في الاصـدار      ***   جديد   سلسلة " السيرة النبوية الشريفة " 12/1 للأطفال مزينة بالرسوم.     ***  

مقالات
يوم الأثنين, 11 أيار 2026 

المؤلف :  د فؤاد العريس
الموضوع :  تقنيات
العنوان :  التقنيات الحديثة وأثرها في دعم الكتاب
التاريخ :  
15-11-2013

بسم الله الرحمن الرحيم


أهلا" وسهلا" بكم، فخر لي أن تعطوني قليل من وقتكم لقراءة هذه السطور، أشكركم عليها .  
أيها الأحبة الأفاضل...


لنتدارس واقعاً، ونحن محاطون بألآف الكتب الجائعة إلى قراء يملكون كامل الحريةوالاختيار بإدخال ما حوته هذه الكتب إلى عقولهم أو عدم إدخاله .
 

سبحان الله، ما هذه الملكة العظيمة التي نملك، ملكة القراءة التي تميزنا بها عن كل المخلوقاتالأرضية : أتوقف قليلا" لأقدر آلية القراءة .
 

فتحت الكتاب فتماثلت أمام ناظريخطوط رفيعة رقيقة تواصلت و تقاطعت صاعدة هابطة، متماوجة متهادية، فالتقطها نظري، و أوصلها بصري إلى الفص الدماغي الخلفي Lobe Occipital فحللها وحولها إلى معلومةكهربائية مشفرة .
 

وهنا تدب الحياة في أرجاء الدماغ فتذهب نسخة من المعلومة إلىالفص الأمامي Lobe Frontal لتحليل محتواها، ونسخة إلى الفص الصدغي Lobe Temporal للمقارنة مع معلومات سابقة، ونسخة إلى أسفل الدماغ Amygdale et hippocampus للتفاعل العاطفي، ونسخة إلى الشق الأيمن من الدماغ للتذوق الأدبي، ونسخة إلىمخازن الذاكرة للحفظ والاختزان، ونسخة إلى الأرشيف الداخلي لتأخذ موقعها تحت عنوانمحدد برقم محدد و تاريخ محدد .
 

أنا أسعد بقدرتي على القراءة، فهي تجسد تميزيكإنسان، وتؤكد علو مكانتي في سلم المخلوقات وتضفي على حياتي معنى رائعاً منالتواصل، ليس فقط مع أهل زمني، بل مع من سبقني من الأجيال، ومن سيأتي بعدي .
ولكن، هل أننا حقيقة نستفيد هذه الملكة ؟
 

سأتحدث بموضوعية وتجرد :
تظهر الإحصاءات تبايناً واسعاً جداً في القراءة بين عالمنا العربي، والعالمالغربي بصورة عامة، والذين يحِّدقون بالأرقام يذهلون و تتبدى لهم حقائق مدهشة : فما الفرق بالضعف والضعفين، بل بعشرات الأضعاف، وأحيانا" بمئات الاضعاف لصالحالعالم الغربي ويؤسفني أن أقول: إننا في هذه أيضا" هزمنا !!
 

بل أقول : لأننابهذه هزمنا، هزمنا بالأمور الأخرى .
 

عكفت على دراسة هذه الظاهرة الخطيرة، ظاهرة تعطيل ملكة أساسية من ملكات إنسانية الانسان، فوصلت إلى بعض النتائج، وأنالا أحب التعداد لأنه يؤدي إلى الملل والشتات ، سأختصر موجزا" :
إننا لا نقرألأننا مشغولون بفقرنا، أو بترف غنانا، أو باتكالنا على قادتنا، أو خوفا" منهم، أو لأن الناس الآخرين لا يقرأون، أو لأننا لا نرى الكتب في بيوتنا، أو لأننا ماتعلمنا القراءة، أو لأننا كسالى أجهز علينا كسلنا فتركنا ركاما".
 

أقول : كل من جاء إلى معرض الكتاب في عالمنا العربي، مجاهد يستحق التقدير، حتى ولو لم يأخذ كتابا"، أو أنه أخذه ورصَّه في رف عند حائط في بيته ولم يقرأه، فهو مشروع قارىء ندعو له أن يتحول إلى قارئ ، القراءة في الحقيقة منهج حياة، بل هي جزء من ثقافة شعب وعاداته و تقاليده، والوصول إلى إدخال هذه العادة يتطلَّب وقتا" وجهدا" وقدوة حسنة صالحة وآلية جيدة و إرادة طيبة.
 

إلى هنا، ما زلنا ندافع عن الكتابالمضطهد، وكان لا يزال وحده في الميدان .
ثم جاء عصر انفجار المعلومات، بقدوم
الكومبيوتر وما جّر في أذياله من تقنيات حديثة، يصعب علينا إحصاؤها في محاضرتنا، من تجميع للمعلومات، وإلقائها في بحر الشبكة العنكبوتية التي أحاطت بالأرض قاطبة، وتنقلها بسرعة الضوء، ثلاثماية ألف كيلومتر في الثانية، وإمكانية ضغط المعلوماتالهائلة الحجم في حيز ضعيف جدا"، ثم تمديدها بسرعة البرق أيضا"، وإمكانية البحثالدقيق جدا" عن معلومة محَّددة في محيط المعلومات، كمن يبحث عن إبرة في قاع المحيط الهادي، ويجدها حقا" و يقينا" و يستخرجها و يلمسها بيده، ويرسل الصوت والصورة إلى أي مكان يخطر بباله، ويستقبله من أي مكان
.
 

وجاء مع هذا العصر من ينعيالكتاب و أهله، و يقول : انتهى عصر الكتاب وآن له أن يستريح، فلقد أعطتنا شاشةالكومبيوتر و التلفاز سؤلنا من المعلومة، وسماعة الهاتف النقال حاجتنا من التواصل، والأقراص الليزرية رغبتنا في الخيال و المتعة .
 

وإذا ما طلب منا الحديث في موضوع ما، أحلنا الامر إلى الكومبيوتر يبحث لنا في الانترنيت عما فيه من معلومات، فيعطينا بدل المعلومة مليوناً، واهنأ أيها السائل بما قدمنا لك .
 

واقع الانسان يقول غير هذا، واقع الإنسان يقول أن الكتاب باق ما بقيت الحياة على وجه الأرض، ولقد أثبتت الأيام السالفة أنه منذ أن كتب الإنسان الحرف الأول، سرت القراءة فيعروقه مسرى الدم، وهي حركة ثابتة ودائمة متواصلة عبر الأجيال، ولقد مّرتالإنسانية بحقبات مظلمة، تعرض فيها الكتاب لأقسى أنواع العنف والجور، نذكر منهاحادثة إحراق بغداد على أيدي التتار، وقد جاؤوا مدفوعين بعاصفة من الهمجية والقوةوالعنف غير المسبوق، فقتلوا وسلبوا وعاثوا في المدينة خرابا" ودمارا"، حتى إذا ما وصلوا إلى مكتبة الحكمة في بغداد، أفرغوا ما استطاعوا من كنوز الكتب التي فيها وألقوه في النهر حتى غمرت الكتب مجرى النهر، وسارت عليها سنابك الخيل، وأحرقوا القسم الباقي، ظنا منهم أنهم بذلك يسحقون الحضارة.

 

فلما مرتالعاصفة، وهدأ جبروت العنف، عاد الكتاب يلملم جراحه، ويرمِّم كيانه، ثم انطلق كأحسن مما كان، واضطلع من جديد بمهمة حماية تراث الإنسان و حضارته وعلومه، وقدمإلى الرواد الجدد في أوروبا كل علوم الدنيا، والتي على أساسها قامت النهضة العلمية الحديثة و لا تزال تنعم بفوائد أصول العلم الذي حفظه الكتاب .

 

إخوتي الأفاضل ... بطبيعة الحال، التقنيات الحديثة تؤازر الكتاب لا تناهضه . كيف ذلك ؟ لننظر بتأنًّ إلى ما جاءت به التقنيات الحديثة :
 

أمسك بيدي قرصا" ليزريا" لا تزيد زنته على 15 غراما" وأضعه في الكومبيوتر، فأجد أنه حوى ما يزيدعلى ألف مجلد من أمهات الكتب، يمكنني تقليبها صفحة صفحة إن شئت، أو أقفز فوقالكتب فيه قفزا"، أو أنتقي منه أجزاء .
 

ولكن هل ترون أحدا" انكب على جهازه يقرأ عليه كتابا" واحدا" كاملا" من هذه الكتب المرصوصة فيه بالمئات؟
 

إلا أنىأستفيد منه كثيرا" في بحثي عن معلومة معينة في مصادر متعددة، يوفر عليَّ وقتي ويصوب بحثي ويشعرني بالطمأنينة لاحتوائه حاجتي من مخزون المعلومات التي قد استعين به لإخراجها من حين إلى آخر وأنا اليوم أفضل ألف مرة أن يكون هذه القرص في مكتبيعلى أن لا يكون: مثل هذا القرص الليزري، كمثل القاموس في ميزان اللغة لا نحفظه بكامله ولا نستغني عنه .
 

وأمسك بيدي قرصا" ليزريا" آخر، وأضعه في الكومبيوتر فيعرض علي مادة سمعية تصل مدتها إلى ما يزيد عن مئتي ساعة متواصلة، يسعدني وجودها، لكني لا أتسمَّر أمام جهازي طويلا"، ولا أظن أحدا" غيري يفعل ذلك .
إلا أنى أستفيد منه كثيرا" في لحظات انهماك بعمل يدوي لا يقتضي التركيز، أو فترة أسترخاء يكون الذهن فيها صافياً مصغياً" .
 

وأمسك بيدي قرصاً ليزرياً ثالثاً، فيعرض علي مادة سمعية بصرية، تتضمن كل ما يخطر بالبال مما يفيد و مما لا يفيد، من برامج تثقيفية و ترفيهية و رياضية و موسيقية، ووثائقية و تعليمية وفنية واقتصادية وتاريخية وسياسية وجغرافية ... ولا تزال الوسائل التعليمية والتثقيفية والترفيهية تتطور وتزداد، ونعماً هي، تنويعاً وإغناء وتيسيراً، نأخذ منها بقدر، ونجتهد بتصويب استعمالاتها، ونتسابق مع أهل اللهو وإضاعة الوقت أبنا يسبق فياعتمادها والافادة منها، فأنه ما من اختراع جديد او اكتشاف حديث إلا ويسارع أهلاللهو للإفادة منه : إإذاعة والتلفزيون والسينما والهاتف والكومبيوتر وكاميراتالفيديو والفضائيات والانترنيت . وحديثاً جداً: " مسّجلي على الـ Cellular لمسّجلك" .

إما الكتاب، فلقد أثبت صموده، وقد تجاوز بنجاح محنة تجربة معايشة التقنيات الحديثة وحولها إلى نعمة التكامل، وحافظ على بريقه و تألقه، وهاهي عشرون سنة مرت تقريبا"، منذ أن دخلت التقنيات الحديثة ميدان تناقل المعلومة، فأخذت مكانها الذي يجب أن تأخذه و لم تُلغِ الكتاب بورقه وحبره و غلافه .
 

لأنالعلاقة بين الإنسان و بين الكتاب علاقة مميزة، فيها الكثير من التفاعل و التناغم . فالواحد منا يسعد حين يمسك الكتاب يتعرف عليه حين يبدأ بقراءته فيشعر بكرمه في اعطائه ما حواه و وفائه في استبقاء ما أعطاه ويعود إليه متى يشاء، وتتوطد الصلةمع تتالي الصفحات، صديق رفيق أمين، حتى إذا ما انتهى من قراءته غمرته السعادة لاكتسابه معلومة جديدة، وكان ممتنا للكتاب الذي يعود ليأخذ مكانه في مكتبته شاهدا" على متانة الصداقة الناشئة، أو منطلقا" في المكتبة العامة ليسعد إنسانا" آخر .
 

الحقيقة العلمية أبعد من ذلك : فالنفس الإنسانية ترتاح إلى الشعور بالامتلاك، وتطلب المحسوس الملموس، وتطمئن إلى قدرتها على التحكم بالحدث، وتقلق إذا كانت صلتها بالحدث آنية أو هوائية، وقدرتها على الاستيعاب متفاوتة : بعض الناس يفضلإعادة قراءة المقطع ثانية و ثالثة، و البعض يعود إلى مقاطع في صفحات سابقة، البعض يقرأ بين الأسطر، و البعض سريع نهم، و البعض الآخر منظم جدا"، يقرأ كل يوم خمس صفحات و يقدر توقيت انتهاء قراءته الكتاب بدقة .
 

أنت مع الكتاب سيد الموقف، وسيادتك عليه تنبع من امتلاكك الحسي له .
 

وأعود من جديد و أطرح السؤال :
ماهي احتياجات الناس الفكرية ؟
 

حين تقتنع أمة بالمستوى الأدنى من الثقافة، تصبح هشَّة ضعيفة تعصف بها المخاطر من كل الجهات .
فهي تصبح عاجزة عن وضعالمقاييس الصحيحة الجيدة لاختيار قادتها، فيتنطح أهل المغامرة و الجرأة و يحتلونالمقاعد العليا وهؤلاء بدورهم، بضحالة ثقافتهم، يتيهون عن اتخاذ القرارات الصائبةالكفيلة بدفع أمتهم للرقي في سلم الحضارة و التقدم . إذا ما تعرضت للمخاطر منالخارج، فهي بضعف ثقافتها تضعف أمامها الخيارات، فتحشر نفسها في أضيق خيار، وغالباً ما يكون خيار العاطفة هو الغالب، فتتخبط في الذل والمهانة والانكسار ثمتقتنع أن ثقافة الآخرين الغنية المتنوعة أفضل من ثقافتها الفقيرة الضحلة، فتقلدهاوتنسخها على أفرادها وتلبسهم إياها فيبدون كالمهزلة بثوبهم الجديد، تناقض يضرببعضه بعضا" .
الثقافة أيها الأحبة، غير المناهج التعليمية الضيقة المحصورة، التي أعدت لنيل الشهادات و تحضير الأطروحات و الحصول على الدكتوراه . الثقافة هيالاطلاع على كل علوم الارض وتوسيع آفاق المعرفة، والقراءة لكل أصناف وفنون الكتب، والنظر فيما كتبت الأجيال السالفة، والشعوب الأخرى، هي اكتشاف ما في عقولالآخرين، هي بتكثير المخزون الداخلي من المعلومات وتحويله إلى مرونة وسلاسة، فمنتعدَّدت أمامه الخيارات، كان أقدر على حسن الاختيار .
 

ولا نقول إنه قد فاتناقطار الحضارة والمدنية والثقافة، فمن فضل الله تعالى علينا، أن خلق فينا نحنالبشر عقولاً متشابهة وغرس فينا جميعاً كل آليات المنطق، والتحليل والتصنيف والمرونة والاستذكار، ويمكننا بكل يسر وسهولة اللحاق بمن سبقونا بأن ناخذ ماوصلوا اليه، ثم نجاريهم بالعلم والاستنباط وعسانا نتفوق عليهم لخير الانسانية، كما تفوق أجدادنا في الماضي .

أما ماذا نقرأ ؟ وعلى أهمية السؤال، فإنالإجابة تأتي متنوعة بتنوع كرم الكتاب، كتنوع مذاق الفاكهة و تعدد أصنافها، واستعداده لتلبية عطش النفس وجوع الروح الى الغذاء و الارواء، فمن كانت نفسه تتوقإلى معرفة تاريخ البشرية الحافل، والتعرف إلى أحوال أقوام الأرض قبلنا، وجدت طلبتها في الكتاب
وأن كانت تتوق إلى سبر أغوار الفضاء، أو الغوص في أعماقالبحار، أو النظر في خشاش الأرض، وجدت في الكتاب طلبتها .
 

وإن كانت ترغب فياستكشاف امتدادات الأرض، والتعرف إلى خيراتها ومواردها، أعطاها الكتاب سؤلها، وإن كانت رقيقة شفافة، تتذوق الأدب والشعر وتتمتع بحلاوة اللغة، كان لها الكتابخير دواء ولئن كانت طالبة علم ومعرفة، نهمة باحثة مستكشفة، أشبع لها الكتاب نهمها .
 

وتتشعب امتدادات عطاءات الكتاب، حتى تغمر فنون العلم كلها، حتى لا يخطر لناعلم ببال، إلا وجدنا له مع الكتاب صحبة، وفيه تفضيل وايضاح، وتزداد المعرفة بازدياد أعداد الكتب، تثبت بين دفَّاتها أفكار المفكرين وتحولها من خواطر يصعبضبطها إلى ثوابت يصعب محوها .
 

ولا يفوتني أن أشير إلى أن الواجب يقتضي منا أن نسير على منهجية واضحة المعالم في توجيه أبنائنا إلى نوعية الكتاب الذي يقرأون، متدرجين بذلك في إعطاء الثقافة النافعة لهم، راسمين لهم درب حب القراءة منذ نعومةأظفارهم فإن الغنى كل الغنى حين أغرس في طفلي حب القراءة، و أعلمه ماذا يقرأ، وكيف يقرأ، وأدعوه أن يقرأ بعين ناقدة، ببصيرة متفتحة، بذاكرة عالية، بذكاء متوقد، بتسامح و تجرد، بتأمل و تذوق، بحب و انفتاح، باحترام للكتاب .
 

أدعوه ان يأخذ بالتقنيات الحديثة المساعدة للكتاب ، ويدلي بدلوه فيها، عسى أن يتحول إلى مشروع كاتب يثري المكتبة الإنسانية بلبنة واحدة من مليارات اللبنات . أيها الأحبةالأفاضل ,,,
يسعدني أن تشاركوني هذه المعلومة العلمية :
اشتد انتباهالعلماء العاملين في ميدان وظائف الدماغ في هذه الآونة الإخيرة للاهتمام بمصطلح جديد أطلقوا عليه تسمية : المرونة الذهنية Neuro plasticity و المقصود بالعبارة هيالقدرة التي يتحلَّى بها الذهن على التكيف مع ظروف الحياة و طواعية الفكر علىاستنباط الحلول المتوافقة مع الأحوال الجديدة المغايرة لتلك التي اعتاد عليها .
 

و لقد أسعفهم التقدم العلمي الهائل في وسائل التصوير الديناميكي للدماغ، فأصبح بالإمكان متابعة تحرك الإفكار في أسلاك الخلايا الدماغية ,عن طريق أجهزة جديدة نذكرمنها : التصوير المحوري الطبقي الوظيفي، والرنين المغنطيسي الوظيفي، والتصوير بجزئيات البوزيترون، مما فتح الباب واسعا" على معرفة وظائف الدماغ … ولا نزال فيأول الطريق.
 

النتائج الأولية تقول : إن المرونة الذهنية تحافظ على طبقات القشرةالدماغية بحالة جيدة وسليمة لفترة زمنية أطول، وتقلِّل من احتمالات حصول ضموردماغي، وتؤديْ إلى تنشيط مناطق الـ Hippocampus والـ Amygdala السالفة الذكر .
 

ومن أنجع الوسائل المؤدِّية إلى المحافظة على المرونة الذهنية هي القراءة . ولكي لا نبقى في مجال التنظير، فأنا أقدم برنامجا" سهلا مبسطا" لكل من عقد العزمعلى التغيير في حياته و الانطلاق في ركب الحضارة :
-
خصص كل يوم من وقتك نصف ساعة فقط للقراءة: ثلاثين دقيقة فقط، تمثل جزءا" من ثمانية وأربعين جزءا" من نهارك وافعل ما أردت في السبعة و الأربعين جزءا" الباقية . إنك تستطيع أن تقرأ في هذهالنصف ساعة بقراءة المبتدىء ست صفحات، أتدري كم تساوي هذه الصفحات الست في العام : ألفين و مئة و تسعين صفحة . - فلئن حسبتها في خمس سنوات صارت عشرة آلاف صفحة . - ولا يمكن لمن قرأ عشرة آلاف صفحة إلا أن يكون مثقفا" بل عَلَمَا" في الثقافة . وأنامن على هذا المنبر أدعو :
 

إلى استنفار عام لمؤازرة الكتاب بكل ما أوتينا منوسائل، ولنعمل كل وسائل الحس ما استطعنا في إعادة الكتاب إلى حياتنا و حياة الناس . بل نشجع كل أهل العلم و التقنيات الحديثة لينكبوا على استنباط الوسائل الجديدةالمساعدة للكتاب فتمتزج وظائف الاستقبال كلها في حض الناس على القراءة . و نقول لدور النشر : اعمدوا الى طباعة خاصة لكتبكم بالحرف الكبير كي يتسنى لضعاف البصر وكبار السن أن يقرأوها .
 

و نقول لصانعي الكومبيوتر اعمدوا إلى تسهيل طباعة الكتببطريقة "بريل" للمكفوفين كي يتمكنوا من القراءة ببنان أناملهم .
 

و نقولللفضائيات خففوا قليلا" من غلواء إلهائكم للناس بما تبثونه من سيل عارم من الأغنياتو البرامج الخالية من الثقافة، وافسحوا بعض الهواء للحث على القراءة، و مناقشةالكتب الهادفة، ثوبوا إلى رشدكم قليلا"، وتنبهوا إلى أنكم تحملون رسالة تؤدونهافلقد استحوذتم على قسم كبير من عمر الناس، فارأفوا بهم و لا تكونوا عونا لهم علىالجهل و السطحية .
 

ونقول للقادة و الرؤساء، الذين اعتلوا مناصبهم باسم الناس و لخدمة الناس، ساهموا بنشر الثقافة بين الناس، ارعوا مبادرات الحث على القراءة، انزلوا الى الشوارع و الساحات العامة حاملين معكم كتبكم حتى يراكم الناس تقرأون فيتأسون بكم و يقرأون .
و نقول للبلديات، أنشؤا المكتبات العامة و افسحواالمجال للناس لاستعارة الكتب و قراءتها، وأقيموا المباريات الثقافية المشجعة علىالقراءة .
ونقول للناس : كفانا زهوا بجهلنا و فخرا" و بكسلنا و تقاعسنا، ولنعد إلى تنوير أذهاننا و تهذيب نفوسنا بالقراءة و الاطلاع على فنون العلم والثقافات، فلنخرج من دائرة الالف كلمة التي اسرنا فيها عمرنا، لا نعرف غيرها، نحن الذين نمتلك في لغتنا مئات ألوف الكلمات، فالكلمة الجميلة غنىً وحضارة، ثروةو ثقافة، أدب وتهذيب احترام و اتزان, علم و تقدم, سمو وتقدير، الكلمة الجميلة سفير تواصل، و عنوان محبة الكلمة الجميلة يعطيكها الكتاب بلا منة، أفلا تأخذها منه إعلاء" لشأنك وقاية وجنة ؟
 

ولقد قامت دار المعرفة بيروت، مشكورة، بالمبادرة الى دمج الكتاب ببهائه و رونقه، بالتقنيات الحديثة و عمدت الى فتح الباب على مصراعيه بإطلاق عصر الكتاب المقروء و المسموع في آن معا"، على مستوى الكتابالعربي المتضمن مادة كتابية علمية و أدبية، و ذلك في إصدارها الأول من نوعه، كتاب لطائف التفسير من سورة يوسف، إذ ضم الكتاب بين دفتيه، المادة المكتوبة التينقرؤها بعيوننا، وقرصا" ليزريا" صوتيا" مبرمجا"، يُقرأ بالصوت ما حواه الكتاب منمادة مكتوبة .
فتكون بذلك قد رمت إلى الأمور التالية :
 

أولا " : قدمت للقارىء كتابا" يقرؤه ساعة يشاء و يتوقف عند الفقرة التي يريد، ويبرمج قراءته وإنهاءه بحسب انشغاله و يعود إليه مستذكرا" في كل حين .

 ثانيا" : قدمت للقارىء كتابا" مدعوما" بالصوت يمكنه أن يتابع قراءته البصرية، بقراءة سمعية مواكبة، تجعلثبات الفكرة في الذهن آكد، و حفظ الجديد من الكلمات بلفظها الصحيح محقق، ووصول المعلومة إلى الدماغ من مصدرين أفضل .
ثالثا" : أكسبت للكتاب أصدقاء جدد، وهممجموعة المحبين المتقاعسين، الذين يحبون الكتاب و لكنهم لا يحبون القراءة، فأوجدتلديهم المحفز للقراءة و ذلك بالاستماع و فتح الكتاب عسى أن يكون هذا المحفز دافعا" لهم للانطلاق في عالم القراءة الرحب، ورب محب خجول ينتظر الإشارة .
رابعا" : لقد قامت دار المعرفة بجهد أكبر و ذلك بإتقان تطوير القرص الليزري الصوتي، و جعلهقابلا" للعمل على أجهزة الحاسوب ( الكومبيوتر ) و كذلك على الأجهزة السمعية العادية MP3 و DVD بنقاوة صوت فائقة و ذلك لتوسعة دائرة المستفيدين، حال استرخائهم علىمقاعدهم في غرف جلوسهم، أو سيدات البيوت أثناء عملهن في مطبخهن, مثابات مأجورات .
خامسا" : لقد واكب القرص الليزري الكتاب خطوة خطوة فإذا بنا نجد المقاطع فيهمبوبة حسب تبويب مقاطع الكتاب و قد تم تجميعها في فهرس الكتاب معزوة إلى الصفحات فيه يمكننا الانطلاق معه، من حيث وصلنا في آخر قراءة توقفنا عندها . أخوتي و أحبتيالأفاضل ,,,
 

إني و الله متفائل بانبثاق نهضة جديدة لعالمنا و واقعنا المثقلبالمآسي و الشجون، وأملنا بجيل المستقبل، جيل الشباب الذين إن أحسنا تربيتهم وتثقيفهم و تنشئتهم، أحسنوا استنهاض أمتنا من كبوتها، فكرهم الثاقب ينير دروبهم، و معرفتهم تبهر أندادهم، و برامجهم تغنيهم عن استجلاب برامج الآخرين، وعلمهم يسعدالانسانية، وثقافتهم تثير غيرة الثقافات الأخرى لا ينبغي أن أطيل أكثر، أغادر هذهالقاعة على أمل إن أكون قد أوصلت رسالة واحدة فقط لا أكثر : عدوني أن تقرأوا كل يوم نصف ساعة و انقلوا أمنيتي إلى كل أحبابكم وأهليكم أومئوا ألي بالايجاب, أكن في قمةالسعادة .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته